Monday, December 12, 2011

عـــيش.. حـــرية _ قصة قصيرة


عــيـش.. حــرية

تفسد كل اللحظات الحلوة في حياتي، هؤلاء الناس يفعلون ذلك عن عمد، وبدأب شديد وكأنهم خلقوا من أجلى وتفرغوا لهدم ملذاتي ، يستهدفونني يومياً وبإستمرار. أكاد أجزم بأنى منذ سنتين على الأقل لم أحظى بلحظة كاملة من السعادة والسبب هو أربعة عشر راكبا في الميكروباص، مهما تغيرت أشكالهم وملابسهم وهيئاتهم فإنهم يظلون ثمانية وعشرين عينا تترصد لي كل دقائق الفرح والمرح .

إذا توقفت في الطريق لأشتري كوب شاي لأعدل مزاجي، لاموني واحتجوا بقلة الوقت والمواعيد الهامة والأشغال التي تتوقف على وصولهم ، وينقلب صفو اللحظة التي أتضاحك فيها مع القهوجي وهو يعد كوب الشاي إلى كدر وضيق وتوتر ، رغم أنى إذا عاتبت أحدهم على (رزع) باب الميكروباص بشدة تجده يلوح بيده غير مبال وينظر لي بإحتقار ويمضي في طريقه . 

وتكون المصيبة الكبرى أو قل الفجيعة إذا ما سولت لي نفسي التوقف لشراء علبة كشري أو رغيفين كبدة للغداء، حينئذ ينهال علىّ السباب من داخل روؤسهم المريضة ويستعجلونني بكل الطرق الممكنة وينادون يا أسطى.. يا معلم.. يا حاج.. يا برنس.. يا باشا ويطلقون كلاكس السيارة عدة مرات متلاحقة ، ثم يأتينى أحدهم مرتجلا..
- يا أسطى الناس مستعجلة.
ثم يضيف بكل صفاقة "معاك يا ريس واحد كبدة كمان وكتر الشطة لو سمحت".
يأخذ طلبه قبلي وينطلق ناحية السيارة فيصلني صوته وهو يحدث الركاب عني :
- ده راجل معندوش دم، رحت أقوله ينجز وهو واقف يحكي مع بتاع الكبدة.

لا تتوقف شكواهم أيضاً إذا انطلقت مسرعاً بالسيارة متجاوزاً هذه السيارة أو تلك، في منافسة بيني وبين سائق أخر على الطريق، مع أن ذلك يعوض تأخرهم الذي يزعمونه، أكون حينها في أقصى حالات استمتاعي وأنا أسبقه حينا فيلحقني ويسبقني فألحقه فأسبقه وهكذا. ينغصون علىّ هذه الأوقات بــ "يابني أحنا مش قد  الكلام ده، بالراحة يا أسطى أحنا مش مستعجلين، أنت كده ح توصلنا القبر مش البيت".
أما إذا كانت ملاحقتي لميكروباص زميل من أجل فكة خمسين أو حتى خمسة جنيهات فلا مانع لديهم على الإطلاق من تجاوزي السرعات المقررة أو تخطي السيارات وأخذ (الغرز) الواحدة تلو الأخرى.
هم لا يقدرون أن هذه اللحظات القليلة يومياً هي جل ما أملك في حياتي من السعادة الخالصة.

نفد صبري حين كنت أقضي حاجتي في قهوة في منتصف الطريق من مدينة نصر إلى حلوان، و حين عدت عاتبتني سيدة على تأخري..
- بفك ميه يا ست، ميه ، حتى الحمام حرام!
وأعتقدت أن تجيبني قائلة:
-لا موأخذة يا بنى أو حصل خير، ولكن:
-ابقى استنى يا بنى لما توصل الناس، مش هتموت يعنى.
-وأنا شغال عند أهاليكم.

أوقفت الميكروباص بغيظ على جانب الطريق بجوار بعض المباني، ونزلت من مقعدي وفي ثوان أغلقت باب الميكروباص عليهم وقذفت بالمفتاح عالياً وراء أحد  المباني وصحت فيهم :
-طب ملعون أبوكم كلكم، خليكم قاعدين بقى، هي عربيتى؟!!
تركتهم في السيارة ومشيت منتشياً غير مبال بندائاتهم المتكررة وكلما سمعت صوت أحدهم إزدادت إبتسامة وجهى انفراجا، وأشرت إلى سائق زميل على الطريق وركبت معه وراعيت وأنا أغلق الباب أن أغلقه برفق.

يوليو 2011

0 comments: