Tuesday, September 29, 2009

يوم - قصة قصيرة

يوم

كانوا جميعا في إنتظاري.. وأنا لا أطيق الذهاب إليهم.. فمن يدري كيف سيقابلوني ويستقبلوني.. وكيف سيكون حسابي.. سبعون عاماً قضيتها.. وهي أثقل من أن تنيئ جبال بحملها.. هناك ملكان في إنتظار قدومي.. وهناك أناس يفسحون لي الطريق.. وآخرون على أكتافهم يحملوني.. أسمعهم يرددون كثيراً من الدعاء.. لعل وعسي.. وهؤلاء يمتدحون في حسن أخلاقي.. وأولئك لايكفون عن ذمي..

-كفاكم.. كفاكم.. ليس ها هنا محلها.

ومن في إنتظاري بدأوا يستعدون لقدومي بالمراهنات..

-انه حليفنا في الجنة.

والبعض الآخر

-لا لا.. لن يفلت من النار بأي حال من الأحوال.

وأنا

-يالله..، وقت لا ينفع أي شيء

وبدأت قواي العقلية تنخر من قبل المواجهة.. واقتربنا أكثر فأكثر.. وفي غرفة مجهزة خصيصا لي.. مكتوب على بابها ( مدفن عائلة الحاج عادل أيوب الصفتي ) - الذي هو أنا – أدخلوني..

كشفوا عني هذا الغطاء الخشبي لتمهيد نزولي إلى موطني الجديد الذي لا أعرفه.. لم يعد الموقف يحتمل.. ولا أنا.. وأكوام من التراب يحثونها عليّ.. لتعلنني فرداً جديداً في هذا المجتمع.. وقبل حتى أن ينتهوا من وداعي.. باغتني السؤال وما أقساه..

-جدووووو هو أنت لسه ملبستش..؟ كلهم مستنينك تحت.. يلا بقي.. يلا يا جدو

أفقت من أسوء ما تعرضت له طوال حياتي.. وتنفست حياة جديدة.. لم أتنفسها من قبل..وكأن اليوم مولدي..

-هما مين دول اللى مستنيين..، ولازال الذهول والدهشة يسيطران عليّ

-يوووه يا جدو بقى بطل كسل.. هنتأخر

ماذا فعلت طوال سنون حياتي.. كيف عشتها.. ماذا ارتكبت من معاصي.. وماذا لم أرتكب.. يا رب ثبتني يوم الانتظار.. وأنا ألاعب شعر حفيدتي بيدي.. لا يا رب ثبتهم جميعا يوم الانتظار.

Saturday, September 12, 2009

سيدي-قصة قصيرة

سيـدي

سيدي.. لقد ولدت في هذا اليوم المبارك الذي أتيت فيه أنت.. ومازالت أمي حتى الآن تعايرني بهذا

- يا موكوس حد طايل يتولد في يوم زي ده.

سيدي.. اليوم أتممت خمس سنوات وأنت أيضا.. أدخلوني المدرسة رغما عني.. ورأيت صورتك فيها.. وكنت أدخل أنا وأصدقائي مراهنات لمن سيفقأ عينيك بالحجارة.. اعذرنا سيدي فقد كنا صغارا حينها.

سيدي.. لقد قال أبي اليوم شيء غريب.. كان يتصفح الجريدة ورأي صورتك وقال

- دخلنا كاس العالم يا ابن المحظوظة.

لا تخطئ الظن سيدي هذه كانت موجهة إلي بالتأكيد.

سيدي.. مرت السنون سريعا.. وأنهيت دراستي الجامعية.. في ريعان شبابي كما يقولون.. وفي عمر قياسي فلم أتجاوز التسعة عشر عاما حينها.. يملؤني الأمل في غد أفضل كما تقولون.

سيدي.. لقد إختاروني لقضاء الخدمة العسكرية.. صدقني لم أحزن.. ولم أقل أن سنة ستضيع هباءا من عمري..، لقد خرجت بعد ثلاثة عشر شهرا سيدي وأنا مؤمن بحقيقة واحدة.. أن هناك سنة ضاعت من عمري.

سيدي.. أبحث عن عمل مناسب منذ خرجت وحتى اليوم.. لم أعد أحسب الأيام.. أظن أنه مرت ثلاث سنين.. ولكن رجائي فيكم سيدي كبير.

سيدي.. لقد عملت بنصيحتكم ولم أستسلم وعملت في إحدي ورش النجارة.. ولعلي نسيت أن أذكر لك سيدي في مجمل حديثي أني تخرجت من كلية الهندسة.. كل ما همني هو رضاك عني.. وألا تنعتني بأني من جيل الشباب المتراخي والذي لايريد أن يتعب ويجتهد لحياته وللبلد.

سيدي.. بعضا من أصدقائي عادوا من الخليج هذه الأيام ليتخذوا شريكة حياة.. ويرجعوا مرة أخري.. وأنا اليوم أستطيع أن أصنع دولابا بمفردي لغرفة نوم أي منهم لو احتاج.

سيدي.. لم أسافر مثلهم.. لأني اقتنعت بكلامكم عن أن الإصلاح لن يأتي إلا من الداخل.. وبداخلي سيدي-ارجوك افهمني- نارا تحترق.. حبيبتي تركتني لأني لم أنجز شيئا في طريقنا الذي رسمته بالورود أيام دراستنا.. وارتمت فى أحضان أحد المغادرين إلى دبي.. وإلى من سأرتمي أنا..؟

سيدي.. أنا لا ألومك.. وإنما القطار يجري ولا ينتظر أحد.. ولا يعود للوراء أبدا.. أصبحت اليوم في السابعة والعشرين من عمري.. ولا أملك إلا بالكاد قوت يومي.

سيدي.. أكتب لك الخطاب اليوم وقد ضاعت مني فرصا كثيرة في انتظار وعودا لم تتحقق وغدا أفضل لم يأت.

سيدي.. وأنا في التاسعة والعشرين من عمري وقد ضاعت كل أحلامي.. لي عندك سؤال.. إلى متى سأظل أحتضن وسادتي.